عبد الله بن أحمد النسفي

427

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 76 إلى 78 ] قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) 76 - قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً هو عيسى عليه السّلام ، أي شيئا لا يستطيع أن يضرّكم بمثل ما يضرّكم به اللّه من البلاء والمصائب في الأنفس والأموال ، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم به من صحة الأبدان والسّعة والخصب لأن كل ما يستطيعه البشر من المضارّ والمنافع فبتخليقه تعالى ، فكأنه لا يملك منه شيئا ، وهذا دليل قاطع على أنّ أمره مناف للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضرّا ولا نفعا ، وصفة الربّ أن يكون قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ متعلق بأتعبدون ، أي أتشركون باللّه ولا تخشونه وهو الذي يسمع ما تقولونه ويعلم ما تعتقدونه . 77 - قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ الغلوّ مجاوزة الحدّ ، فغلوّ النصارى رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهية ، وغلوّ اليهود وضعه عن استحقاق النبوة غَيْرَ الْحَقِّ صفة لمصدر محذوف ، أي غلوّا غير الحقّ يعني غلوّا باطلا وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ أي أسلافكم وأئمتكم الذين كانوا على الضلال قبل مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم وَأَضَلُّوا كَثِيراً ممن شايعهم « 1 » وَضَلُّوا لما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ حين كذّبوه وحسدوه وبغوا عليه . 78 - لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قيل إنّ أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود : اللهم العنهم واجعلهم آية ، فمسخوا قردة . ولما كفر أصحاب عيسى بعد المائدة قال عيسى : اللهم عذّب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لم تعذبه أحدا من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ذلك اللعن بعصيانهم واعتدائهم . ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله :

--> ( 1 ) في ( ز ) تابعهم .